
(2) الساكورا
مرحباً مجدداً...
أول شي كل عام وأنتو بخير جميعاً ينعاد عليكم بالصحة والبركة...
---
بعد رحلة طويلة لم يغمض لي فيها جفن... وصلت إلى غرفتي... أغلقت الباب ونمت عميقاً كما لم أنم من قبل... كان علي الاستيقاظ باكراً للحاق باللقاء الصباحي(1)، كنت أعرف تماماً أنني لن أتمكن من الاستيقاظ ولكن ليكن ما يكون... فبعد شهور من رتم الحياة المبنية على الركض للحاق بالمواعيد... كل ما أردته هو النوم...
استيقظت في اليوم التالي حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر على صوت الإنترفون في الغرفة...
((" السيد سومر"
"نعم"
"معك موظفة مكتب الطلاب الأجانب في الكايكان"
"نعم"
"اليوم لم تذهب إلى الموعد الصباحي...؟؟؟"
"لم أستيقظ..."
"لماذا...؟؟؟"
"لأنني لم أمتلك منبهاً بعد"
"إذاً كل شيء على ما يرام"
"نعم"
:
:..... ))
ذكرت هذه الحادثة كونها كانت أول حادثة نبهتني إلى أنني في مكان مختلف يعتنق ثقافة مختلفة... جميل أنو حدا يسأل عنك لمجرد غيابك... بس بالمقابل صرت لازم أحسب ألف حساب قبل ماطنش موعد تاني....
---
نيسان من أجمل الشهور في اليابان... يتسرب الربيع إلى الطرقات ويعلن نفسه في كل زاوية... الطقس شديد الاعتدال... وكل شيء مشرق كما هي حياتي الجديدة هنا... بالمناسبة كل شيء في اليابان يبدأ في نيسان... المدارس والجامعات... الشركات وحتى السنة المالية تبدأ في نيسان... اليابانيون يبررون الموضوع بالربيع والهنامي(2) رغم غرابة الموضوع وعدم تأقلمي لكنني أوافقهم بكون الربيع فصلاً أفضل من الشتاء الكئيب لاتخاذه بداية للسنة...
كان كل شيئ يسير بشكل رائع وكأنني وجدت الفردوس الأرضي... في بلد كل شيئ فيه ينحو للكمال بدون منازع... ولكن لم يمضي أكثر من شهر ونصف قبل أن أتوقف قليلاً وأعيد النظر... ماالذي حدث..؟؟؟ إليكم التفاصيل...
حوالي العشرين من أيار...الخامسة عصراً... اتصلت بي صديقتي لتخبرني بأنها جرحت أصبعها أثناء الطبخ منذ الظهيرة ومازال ينزف...ـ
ذهبت لعندها... ورأيت الجرح... لقد كان عميقاً وأعتقدت أنه من الأفضل الذهاب للمشفى لإجراء تقطيب إن كان ذلك لازماً... نظفت الجرح بالكحول ووضعت ضمادة صغيرة... وذهبنا أولاً لإبلاغ مكتب الطلاب الأجانب كوننا لم نعرف إلى أين نتوجه تحديداً... ولتفادي مشكلة اللغة أيضاً... انتظرنا هناك ما يقارب الأربعين دقيقة بينما كان الموظف الخمسيني يجري اتصالاته... (اعتقد أنه كان يتصل مع مسؤولين في الجامعة ليعرف ماذا عليه أن يفعل..) بعد ذلك اصطحبنا إلى مشفى قريب... دخلنا واستقبلتنا موظفة الاستقبال وشرحنا لها الوضع... استأذنتنا ودخلت وبعد بضعة دقائق عادت مع أحد الأطباء... وسألنا عن المشكلة فعدنا وشرحنا له القصة بالتفصيل الممل وأن الفتاة لديها جرح في إصبعها وقد جئنا للمشفى لتقوموا بالكشف وإجراء ما يلزم... استأذننا وغاب دقائق أخرى في الداخل... وإذا بطبيب آخر يخرج ويسألنا عن المشكلة وأعدنا القصة مرة أخرى فاستاذننا وعاد إلى الداخل... وقد تكرر ذلك عدة مرات... (أعتقد أننا أعدنا رواية المشكلة أربع أو خمس مرات) في النهاية طلبوا تحويلنا إلى مشفى آخر --لعدم تواجد اختصاصي الأصابع في المشفى حالياً-- هنا بدأت أتململ من غبائهم... هل من المعقول أننا أعدنا القصة خمس مرات ولم يتجرأ أي طبيب على إزالة الضمادة ورؤية الجرح.. ((رحم الله الأيام الماضية تخيلت نفسي في سوريا... وكيف سيستقبلني المسعف في غرفة الإسعاف... أعتقد أن أول ما سيقوم به هو نزع الضمادة ورؤية الجرح ولاداعي لذكر أي شيء.... وربما سيضحك ويقول "لا انشا الله ما عليك شر")) ضاق ذرعي بهم وأشرت للمشرف معنا أن الموضوع بسيط ولا يحتاج السفر إلى مشفى آخر كل ما عليهم هو رؤية الجرح... وبعد شد وأخذ اقتنعوا اخيراً بعدم تحويلنا... دخلنا غرفة الإسعاف بعد مرور حوالي الساعتين والنصف في المشفى وإعادة القصة عدة مرات حتى مللنا... ولكن بقي أن نكتب القصة للمرة الأخيرة في الاستمارة التي سنملؤها قبل الدخول... عند الدخول جلست صديقتي على طاولة الفحص وجلس الطبيب وأخذ ينزع الضمادة ((كان ينزع الضمادة عن الإصبع بالملاقط المعقمة ولم يستخدم يديه)) عند نزع الضمادة شم رائحة الكحول... وهنا سألها ما هذا فأجبته بأنني استخدمت الكحول لتنظيف الجرح قبل القدوم إلى المشفى... فتوقف عن العمل .. طلب الاستمارة دون الملاحظة وطلب مني التوقيع... عاد إلى الأصبع وأخد يتأمل الجرح... هنا حدث ما لم أكن أتوقعه أبداً... فقد سألها هل تظننين أن الجرح يحتاج إلى تقطيب أم الضمادة تكفي... ((هوون كان فيني عقل وطار... يعني نحنا إجينا عالمشفى وصرلنا ملطوعيين وعم نعيد القصة مية مرة ... مشان نسألك مو مشان تسألنا... يعني لو منعرف ما كنا إجينا بالأصل...)) يعني هوون البنت كان طلع خلقا متل ما طلع خلقنا كلنا... قالتلو ضمادة ضمادة.... المهم خلصنا..
ضمد الطبيب الجرح مرة تانية... ورجعنا عالكايكان سالمين...(3)
تعليقات عالهامش :
- أنا تخيلت إذا جرح اصبع طلع بدو لطعة بالمشفى وتعباية استمارات.... كيف يصير حادث سيارة..؟؟
- شو هالتناقض الصارخ ... بدولة تعتبرمن الأوائل بالعالم مشافيها بتحوي آخر ما توصل إليه العلم من تكنلوجيا جرح الإصبع بدو لطعة ساعات بالمشفى...
-----
(1) قبل السفر بعدة أسابيع قامت الجامعة بإرسال ظرف يحتوي عدة كاتلوغات عن الجامعة والمدينة، شبكة المترو شهادتي القبول في السكن والجامعة رقم الغرفة وعنوان السكن... بالإضافة إلى لائحة المواعيد للأسبوعين التاليين...
(2) الهنامي : هو أحد طقوس اليابانيين (المعنى الحرفي للكلمة هو مشاهدة الزهر) حيث نجد اليابانيين يتجمعون ويذهبون للحدائق لمشاهدة المنظر المذهل لتفتح أزهار شجرة الكرز(الساكورا) ...
(3) هاللطعة بالمشفى كلفت 100 دولار ، دفعتها الجامعة...





