أعود مرة جديدة.. للمناقشة الدائرة منذ مدة حول العلمانية والدين واليوم سأطرح أثر التفكير الديني في واقع مجتمعاتنا...ـ
في البداية أود أن أقول أن جعل الدين* سبباً لجميع لمشاكلنا فيه الكثير من التبسيط، حيث أن تخلفنا يعود لأسباب عديدة تبدأ بالتدخل الخارجي لحماية المصالح الاقتصادية في منطقة حيوية ولا تنتهي بالاستبداد الذي يكبل أي حركة توحي بالتغيير في المستنقع الراكد.. ولكن سأذكر مجموعة من الظواهر التي أراها أسباباً أساسية في تخلف مجتمعاتنا وهي تصاحب طابع التفكير المتدين بشكل أو بآخر وأترك لكم استخلاص النتيجة.. والأمثلة التي أذكرها في سياق العرض هي مجرد أمثلة عن حالات معينة وبالتأكيد الأفكار المطروحة تنطبق على آلاف الحالات في مجالات متنوعة لا مجال لذكرها جميعاً..ـ
القضاء والقدر
الإيمان الديني يقتضي الإيمان بشكل تلقائي بالقضاء والقدر والقدرة الخارجية التي لا سبيل للإنسان لمقاومتها وكان هذا الإيمان هو لب ثقافات الجماعات البشرية منذ بداية التاريخ وحتى الثورة الصناعية نتيجة عدم امتلاك الإنسان لأية أدوات تمكنه من رد قوى الطبيعة الخارجية وظل هذا المسكن ناجعاً في ظل عدم وجود أي حل آخر ولكن بالتقدم العلمي الحاصل بدأ الجميع يشعر أن الحوادث التي تحدث حولنا تحمل مسبباتها وهذا يعني أنه يمكن تفاديها باتباع حلول معينة. في المقابل وفي مجتمعاتنا ظل القضاء والقدر سيد الموقف، وهو الذي يحكم جميع الأحداث. وهو أحد أهم مثبطات التقدم... لماذا؟؟ لأنه ببساطة إذا كان القدر هو ما يحرك الأحداث فلا داعي لاتخاذ أي إجراء احترازي لمنع التكرار... يمكنكم الآن تصفح أي موقع اخباري عربي واقرأوا التعليقات في صفحة الحوادث. ستجد أن أغلب التعليقات ينقسم بين الترحم على الضحية في حال موتها (انتهى عمره) أو القول بأن الذي لديه عمر لا تقتله شدة. ماذا...عن المسببات ؟؟ مئات آلاف الأشخاص يقتلون لأنهم لا يضعون الخوذة الواقية أو حزام الأمان وفق القول السابق والإيمان المطلق بأن لكل ساعته.. وقد لا يكون الإهمال الشخصي سبب الموت وإنما اهمالاً هندسيا لجهة معينة أو أشخاص معينين كل ذلك يمر دون أي حساب.. بسهولة بالغة.. قضاء وقدر.. لماذا عندنا فقط يموت البشر بالقضاء والقدر...؟؟؟
قيمة حياة البشر
نتيجة الإيمان المطلق بالقضاء والقدر والسبب الآخر (الحياة مرحلة) فإن البشر يموتون ببساطة ولأسباب تافهة قابلة للتفادي.. ونتيجة عدم اتخاذ أي اجراء يستمر القضاء والقدر بحصد المزيد من الأرواح.. هؤولاء ليسو أرقاماً يا سادة هؤولاء بشر كل شخص منهم هو فرصة نادرة قد لا تتكرر للتغيير.. هنا سأذكر خبراً استفزني عن شخص كان محكوماً بالإعدام بطريق الخطأ... ماهذه المهزلة... لو أن ذلك حدث في أي مكان يحترم سكانه قيمة حياة البشر لأثار ذلك زلزالاً ماذا لو وجد غيره من المظلومين.. ولكن لا شيء يحدث تحت المسكنات.. فالقضاء والقدر جلبه إلى السجن والعدالة الإلاهية أخرجته.. ولذلك لا داعي للكثير من الضجة.. في إطار هذا النوع من التفكير تصبح حياة الإنسان بالمعنى المادي لا قيمة لها..ـ
الحياة مرحلة
تندرج الحياة في صلب التفكير الديني كاختبار للوصول إلى النعيم أو العذاب الأبدي ولذلك فهي كيف ما كانت عبارة عن مرحلة قصيرة للوصول للهدف النهائي الطويل الأمد المتمثل في الخلود. وطالما أنها عبارة عن مرحلة فلا داعي للتركيز على ظروف هذه الحياة أو الأجواء المحيطة. ولتقريب وجهة النظر هذه بمثال بسيط لنفترض أن شخصاً ما يعيش في مكان ما بانتظار الرحيل قريباً للاستقرار في مكان الأحلام. هذا الشخص لن يقوم بأي محاولة لتحسين ظروف حياته الحالية أو البدء بمشروع طويل الأمد إلا في إطار بسيط محدود.. وستبقى حياته في حالة انتظار مع محاولة الصمود ولو في الحدود الدنيا بانتظار الفرج...ـ
وهنا يأتي الفكر الديني ليثبت فكرة الحياة كمرحلة في سبيل الهدف.. ولذلك ظل الدين من أهم أسباب استمرار الاستبداد فالدين يمنح العامة مسكنا قوياً للعيش كيفما اتفق ريثما يجازيهم الخالق خيراً على صبرهم على المشقة.. وهذا أيضاً يدعم انخفاض قيمة الإنسان كون الموت هو عبارة عن خلاص سريع من هذه المرحلة للانتقال للهدف.. فباطن العقل المتدين لا يجد أي مشكلة في الموت المبكر نتيجة القضاء والقدر.ـ
وبما أن الحياة مرحلة فاختراع أي شيء جديد السيارة أو التلفاز أو الراديو هي مجرد كماليات لتحسين هذه المرحلة ولا يوجد سبب لاجهاد المخ في هذه الأشياء طالما أن دخول النعيم لن يتأثر بوجودها من عدمه.ـ
تأطير الفكر الديني
في جميع العصور كان المتدينون يقفون ضد كل جديد. أنا لا أتحدث هنا عن الأفكار التطويرية للأشياء الموجودة. وإنما أتكلم عن الأفكار الثورية التي غيرت وجه العالم. إن تأطير الفكر الديني سبب انغلاقه عن كل جديد وبالتالي عن كل إبداع وتبعها بشكل أوتوماتيكي ظاهرة محاربة المبدعين. مثلاً كيف سيفكر المتدين بكيفية التحكم بالطقس وهو مازال غير قادر على تصديق قدرة البشر على التنبؤ بالأرصاد الجوية..؟ المبدعون ذوي الأفكار الخلاقة هم مجانين المجتمعات البشرية اللذين سمح لعقولهم بالتحليق دون قيود. التفكيرالديني يقتل هذه العقول منذ نعومة الأظافر. بالإضافة لا يستطيع البشر أن يكونوا خلاقين قبل أن يلبوا حاجاتهم الغريزية البشرية الأساسية. الإسهاب في محاولة التأطير قادت الدين لمناقضة العلم وكون كلام المتدينين يتميز بصك رباني فلا يجوز التراجع عنه. سمح ذلك بزيادة الهوة بين الدين والعلم والشيء الجيد الوحيد الذي يمكن قوله أن الانجازات العلمية في القرن القادم سوف ستؤدي إلى انهيار أساسات التفكير الديني حيث لن يستطيع اللحاق بالهوة المتسعة.ـ
نجد هنا كلام الشيخ البوطي حول انحباس المطر وغضب الله والذي حوى الكثير من التناقضات ولكنه رغم تناقضاته الكثيرة لم يستطع التراجع عنه واستمرت الرعية بالدفاع.. هو قال أن انحباس المطر جاء بسبب مسلسل ونقل مجموعات من المدرسات من مكان لآخر.. وجاء المطر غزيراً بعدها.. برر المتدينون بأن الله استجاب لصلاة الاستسقاء ونسوا أن البوطي نفسه قال أن انحباس المطر سيستمر حتى رفع الأسباب (التراجع عن المسلسل والنقل).. وأضاف أن صلاة الاستسقاء لها شروطها غير المحققة والله لا يستجيب للصلوات التي تأتي بتوجيهات من الدولة... ولكنها استجابت وهذا قد يعني أن الشروط كانت محققة وأن الأسباب التي ذكرها الشيخ الجليل لم تكن صحيحة فالمطر انهمر دون رفعها.. أو قد يكون الله استجاب لحكومتنا المؤمنة.. أو وأعتقد أنه ربما تعلم درساً بأن لا ينسى متابعة الأرصاد الجوية قبل التحدث عن غضب الآلهة حتى لاتكذبه الآلهة نفسها..ـ
الإنتماء إلى مجموعة
إن المتدين هو شخص يعتقد بسشكل مطلق بانتمائه إلى المجموعة المختارة الناجية. وهذا يعني أن المساواة بين البشر بالقيمة الإنسانية مفقود في التفكير الديني. أي أن المتدين ينطلق من نظرة فوقية إلى الآخر قد تتفاوت درجة ظهورها حسب التشدد ولكنه بالمطلق جميع المتدينين ينظرون إلى الآخر خارج المجموعة -الناجية- كمرتبة ثانية. وقد رأيت ذلك واضحاً في سلوك المسلمين في اليابان حيث رغم أن نسبة كبيرة من اليابانيين يتفوقون عليهم بمراحل في مستوى الإنسانية أو الأخلاق.. أو ..أو... ولكنهم (المسلمين) لم يستطيعوا النظر لهم بقدم المساواة.. عندما أسألهم لماذا؟؟ فللأسف لا يستطيعون إيجاد إجابة سوى عدم إنتماهم إلى الفرقة الناجية.. وهذه مشكلة ستزيد هوتها مع الزمن حيث تتهاوى الفروق العرقية بين البشر ويتجه العالم لتصبح الإنسانية هي المقياس الذي يتساوى به جميع البشر في حين يبقى المسلمون في الخارج غير قادرين على الإعتراف بمساواة الآخرين.ـ
المشكلة أن المجموعة غير محددة المعالم فهي تكبر وتصغر حسب الرغبة في إطار المنافسة على لقب الفرقة الناجية.. ولنأخذ المسلمين مثلاً (ينطبق بالمناسبة على جميع الأديان) حيث المسلمون يعتبرون مجموعة عندما يكون النقاش عن البشرية وهم أنفسهم ينقسمون إلى مذاهب ومن ثم إلى طوائف وعشائر بعضها أفضل من الآخر...ـ إن هذا النمط من التفكير هو ما يسبب نفور العالم من المتدينين..ـ
امتلاك كافة الأدوات لتركيز الاستبداد وعدم امتلاك الأدوات للتغيير
جميع العوامل السابقة ساهمت في إيجاد أسباب التخلف والمسكنات اللازمة لبقاء الوضع الراكد دون حراك. كل ذلك جعل الاستبداد يستغل حقن المخدر للاستمرار في التحكم. أي أنه ربما لا يتحمل الدين الأسباب المباشرة لوجود الاستبداد ولكنه بالتأكيد مسؤول عن استمراره. أريد أن أنوه أن نسبة ممن يدعون انتماءهم إلى العلمانية مازالوا منقادين بقوانين التفكير الديني.ـ
في النهاية في بلادي يتفق الجميع على أهمية وجود الحواجز والخطوط الحمراء ولكن يختلفون على طبيعتها وموقعها وتبقى الحرية خارجاً كل من يتجرأ على الاقتراب منها يُقاطع، يُنفى، يُهجّر، يُسجن، يُقتل أو يُرجم..ـ
-------
* أقصد بالدين الديانات السماوية الثلاث حيث لا تنطبق جميع الأفكارعلى الديانات الأخرى.ـ
